اضحوي الصعيب يكتب | ضربة قطر تخلط أوراق الاخوان
رمزية قطر (والى جانبها تركيا) عند الاخوان أهم من رمزية غزة. غزة رمز لحمَلة المبادىء المؤمنين بالوقوف المصيري مع الحق، المعادين لأمريكا عداءً سافراً وصادقاً ودائماً. أما الدوحة فرمز للمساومات والصفقات والبراغماتية. وليس سرّاً أن الاخوان من هذا النوع الثاني، فهم أنصاف مطبعين وأنصاف جهاديين، يحرصون على التواجد داخل المعسكر الغربي، ويتحركون بطريقة زئبقية من أقصى اليمين إلى نصف اليسار، لذلك لم يستوعبهم طوفان الأقصى فبقي نصفهم خارجه سياسياً واعلامياً وحتى وجدانياً. قالوا في العموم انهم مع المقاومة ولم يخفوا سعادتهم كلما تعرض داعم من داعمي المقاومة لانتكاسة، فيخرج التشفي من قلوبهم دون مواربة.
لا يمكن للاخوان أن يتنكروا للمقاومة بشكل كلي، لا تمسكاً بعقيدة وانما تحسباً لأحكام التاريخ، فالمقاومة التي فجرت وقادت الطوفان اخوانية ايضاً وأثبتت نجاحاً اعجازياً في الميدان هز الدنيا وما زال يهزها، إذن فهم الأولى بقطف ثمار الملحمة دون ان يضعوا في سلّتها كل بيضهم، فحافظوا على باب التخلي عنها مفتوحاً لاهتباله عند الضرورة. ومهدوا لذلك بإطلاق صفة (الايرانية) على المقاومة من منابر كثيرة وأساليب ماكرة. فخيارهم الاستراتيجي هو الذي تمثله الدوحة لا غزة. ومارسوا هذه الثنائية عبر عامين كاملين من الصراع. حتى جاءت هذه الضربة القاتلة على رأس رمزهم الحقيقي، واستهدفت داخل هذا الرمز وكر المساومات والصفقات والبراغماتية. لقد ضربت إسرائيل معقل ما يؤمنون به وأهانت مرجعيتهم الحقيقية وعرّت جميع فذلكاتهم الموهومة عن امكانية التفاهم مع الامريكان وجدوى العمل على إقناعهم بالتخلي عن الكيان الصهيوني.
الضربة مدمرة لأنها سحقت كل ما آمنوا به وسوّقوا له بأن مواجهة الاعداء بالقصائد ممكنة وفاعلة وعبقرية.
طوفان غزة حالة طارئة في المنهج الاخواني ستزول، أما الحالة الثابتة عندهم فهي التي مثلتها السياسة القطرية منذ ربع قرن، انها الحروب التي تسعد الامريكان والاسرائيليين، الحروب الطائفية. قطر التي حاربت إلى جانب الأمريكان لاحتلال العراق وليبيا، والتي استجلبت الارهاب من كل بقاع الارض ليعيث فساداً في ربوعنا، وأنفقت عليه مئات مليارات الدولارات، هي الخيار الفكري لهذا النهج الإسلامي القائم. وقد زيّنوا لأنفسهم بأن هذا الدور القبيح يلقى استحساناً وتثميناً مجزياً لدى الامريكان والاسرائيليين، وان الخربطات التي أحدثها مغامرون في غزة ستزول قريباً ويعود القطار إلى سكّته الصحيحة نحو حروب الطوائف العبثية. واذا بالطامة تقع فوق رؤسهم ويبصم نعال نتنياهو فوق بعض الوجوه أن اسرائيل لا تعتبر الخدم إلا خدماً، وان قاعدتَي السيلية والعيديد لم تأتيا لحماية الأوغاد من اسرائيل بل لمساعدة إسرائيل في التحكم بجباه الأوغاد والتفنن باذلالهم.
أرادت إسرائيل ومن ورائها امريكا إفهامهم أن التريليون وربع تريليون دولار من قطر ومعها طائرة رئاسية بـ 400 مليون دولار ليست كرماً أو استثماراً بل خاوة لا تأثير لضربة الأمس في انسياب تدفقها.
قطر هي اول دولة عربية بعد مصر طبعت علناً مع اسرائيل، وأكثر دولة عربية تعاملت مباشرةً مع إسرائيل، والفلسطينيون المتواجدون على ارضها تواجدوا بموافقة اسرائيل وأمريكا لاغراض التفاوض، وهكذا كان الجزاء.. وباعتقادي فإن محنة الاخوان مما جرى أكبر من محنة قطر كدولة. قطر كدولة وعلى لسان عراب سياستها حمد بن جبر آل ثاني ليست إلا منفذاً للإرادة الأمريكية.. لا يجد الحاكم الخليجي غضاضةً في الإقرار بذلك، انما يجد التنظيم العالمي للاخوان المسلمين غضاضة كبرى ومرارة بشعة في التنازل عن ناطحات الكتب الشاهقة في سماء الجهاد والتوحيد والبراء والولاء، وعليهم أن يتحفوا جمهورهم الموتور بآخر ما في نبوغهم من هرطقات السياسة.