حيدر الجابر يكتب | هل يحب العراقيون مخالفة القوانين؟

سبتمبر 3, 2025 - 14:34
 0  23
حيدر الجابر يكتب | هل يحب العراقيون مخالفة القوانين؟

طوابير الافران والمصاعد والإشارات المرورية والأرصفة وحاويات النفايات ابرز الاهداف

لا يخلو كل شعب من شعوب العالم من حب مخالفة القوانين، حيث كثيرا ما تعد القوانين مقيدة لحرية الافراد في التنقل والحركة، ولان صاحب الحاجة اعمى لا يرى إلا قضاءها، فان معظم المخالفين يرون غايتهم هي الاهم والتي يجب ان تنجز بسرعة، وان ادى ذلك الى اختلال السياقات العامة.

ومن ضمن احدى تعريفات الدولة هي ان الفرد يتنازل عن جزء من حريته مقابل ان توفر له الحكومة الامن والنظام، والحرية المقصودة هنا هي حرية الحركة، وبمعنى آخر ضرورة الالتزام يالقوانين والضوابط، في اطار جمعي.

ويمكن القول ان العراقيين من الشعوب التي تهوى مخالفة القوانين، سواء في الشارع او البيت او المؤسسات الحكومية. إلا ان ذلك لا يعني ان هذه الامر مقصود، وان القانون هو احد اعداء العراقيين، بل انه يعني ان القانون يغيب عن الذهب في اوقات الاستعجال والحاجة واللا مبالاة.

فرن الصمون

يمكن تسجيل ملاحظة مخالفة قانون الصف صباحاً قرب عند افران الصمون، حيث دائماً يتم خرق الصف المستقيم من المشترين، وذلك بواسطة احد الزبائن الذي يقرر انه الاولى من غيره بالحصول على الصمون الحار، ولعدة اعتبارات، منها: انه متأخر عن دوامه، او ان عنده ضيوف مفاجئون، وغيرها من الاعذار، وربما يدخل بعضهم الى داخل الفرن مستغلا علاقته الطيبة بالفران، بينما ينتظر الاخرون دورهم بنفاد صبر. وسابقا كانت هناك منفذان للبيع تم اهمالهما اليوم، احدهما مخصص للرجال وآخر للنساء.

المصاعد مصدر للمخالفة

في احدى المرات، كنت انتظر المصعد في احدى دوائر الدولة، وبما ان الوقت بداية الدوام الرسمي، فقد تكدس الموظفون والمراجعون عشوائياً بانتظار المصعد الهرم. وهنا شقت احدى الموظفات الجموع بلا مبالاة لتقف امام باب المصعد بكل ثقة، بعد ان استغلت تزحزح الموظفين من الرجال. ولا يقتصر مخالفة قانون المصاعد على الجنس اللطيف، فدائما ما يسرع الرجال بالتدافع للحصول مكان في حيز المصعد الضيق، متناسين ان "السيدات اولا"!

الاشارة المرورية والمرائب احدى الضحايا

ولعل اشهر ما يمكن ان نعتبره مخالفة صريحة للقوانين هو ضرب الاشارة المروية، وهو الامر الذي استدعى تعطيلها واستبدالها برجال المرور. وقبل 2003 كان تجاوز الاشارة الحمراء نوعاً من تحدي قوانين النظام المباد، على الرغم من الامر لا علاقة له بالسياسة. وبعد 2003 صار الامر واقعاً بسبب غياب القانون، وحين استقرت الاوضاع السياسية والامنية، تحول الامر الى محاولة اثبات حرفنة ومهارة في قيادة السيارة، وهذا ما قاد الى كوارث وحوادث كثيرة.

ويحب سواق الطرق الخارجية تجاوز السرعة المحددة، حيث تصل السرعة في بعض الاحيان الى 200 كم/ ساعة، فيما تم تحديدها قانوناًبـ 120 كم/ ساعة باقصى حد. كما يعشق سواق الاجرة الوقوف في الشوارع القريبة من المرائب، وذلك لاقتناص "العبرية" بعيداً عن المرائب التي تشرف عليها هيئة مختصة.

تشويه المدن

بعد 2003 صار كل فضاء مفتوح مشروعاً لتجمعات سكنية، وهو ما يعرف محلياً بالحواسم او "العشوائيات"، ومعظم الاراضي التي تم الاستيلاء عليها وبناء بيوت متجاوز هي تابعة للدولة. ولا تتفاجأ حين ترى بيوتاً مبينة على الرصيف، و ان تجد فناء بيت يخترقه عمود كهرباء.

وتشكل الارصفة مساحة مفضلة للتجاوز، حيث اتجه اصحاب البيوت الى الاستحواذ عليها ومخالفة القوانين وتسييجها، وبنى بعضهم الحمامات فوق المجرى مباشرة، بينما غابت الارصفة الواسعة من معظم الشوارع الجانبية، وانضمت الى البيوت وتم تحويلها الى حدائق او انشاء بيوت متكاملة. وكذلك استولت المحال التجارية على اشوارع الرئيسة.

النفايات المهاجرة الى الشارع

أنّبت الطفلة امها وهي تراها تلقي كيس النفايات في المكان المخصص: خطأ، عليك ان ترميه في الشارع حتى تأخذه سيارة النفايات!

دائماً ما تتناثر النفايات من الحاويات على قارعة الطريق، بينما تجد ان الحاوية نصف فارغة، والسبب هو ان البعض يحب ان يرمي النفايات في الماكن الاقرب، برغم ان المسافة ليست طويلة، وانها ستكلفه بضع ثواني على الاكثر لرميها في المكان الصحيح.

ولذلك، يعمد بعض المتضررين من اصحاب البيوت والمحال القريبة الى كتابة تحذير او توسل او شتيمة، واذا لم ينفع الامر، يتم تسييج المنطقة المتضررة وزراعتها او وضع صورة لقادة سياسيين، وقد اثبت هذا الاجراء فعاليته.

العراقي لا يستهين بالقوانين

وذكر الباحث الاكاديمي د. علي المرهج التدريسي في الجامعة المستنصرية أن العراق هو مهد الحضارة وبلد سومر وبابل وأكد، حيث الكتابة نطقت حروفها على ضفاف دجلة والفرات، ليكتب حمورابي مسلته الشهيرة التي نظم فيها الحياة البابلية من خلال 282 مادة قانونية، وقبل حمورابي وضع قانون مملكة إشنونة (قانون تل حرمل) ليصبح العراق من اولى الحضارات التي عرفت القانون ونظمت الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلاله.

واضاف المرهج في حديثه ان "الفرد العراقي كفرد بطبيعته لا يستهين بالقانون ولا يرفض احترامه ووجوده، بل على العكس فالعراقي عندما يغادر بلده الى بلاد يكون القانون فيها فوق الجميع، لا يتوارى عن الخضوع له". وذكر ان "العراقي عندما يدخل مكاناً يجد فيه اهتماماً حقيقياً بالنظام لا يخالفه بل يساهم في أن يكون جزءاً مساهماً في تعزيزه، والأمثلة كثيرة". ولفت المرهج الى انه "لا يمكن في العراق أن نلقي باللوم على المواطن، ويجب أن لا ننسى تراكم حالات عدم الإستقرار التي عايشها العراقيون تاريخياً من انقلابات عسكرية وتبدل السلطات الراديكالي الى حروب وازمات اقتصادية وحروب أهلية وفقر وأمية، وهي ما أدى الى غياب الوعي بأهمية احترام القانون وغياب الثقة بين المواطن والسلطة التي تتحدث أكثر مما تفعل.

النظرة الاجتماعية

الباحث الاجتماعي الاستاذ ولي الخفاجي يؤشر الكثير من الاسباب لهذه الظاهرة، ويؤكد أن اهمها هو الحكم والنظرة الاجتماعية للفعل.

ويقول الخفاجي ان "الشخص الي ينضبط بعمله يكون هدفاً للسخرية ونقد الاخرين، ومن يلتزم بالنظام يكون شاذاً، وهكذا، حتى اصبح الفرد يخالف القوانين ليساير المجموع".

واضاف الخفاجي ان "تصرفات الفرد المخالفة للانظمة الرسمية وغير الرسمية كعدم الالتزام باشارات المرور وغيرها يعود الى محاولة الفرد البقاء تحت المسير الاجتماعي العام، اي انه اذا التزم بالنظام قد تتوجه له مجموعة من الانتقادات، ولذلك، ولكي يحافظ على تكيفه الاجتماعي يبتعد عن هذه التصرفات ومن باب (حشر مع الناس عيد)".

ويطرح الخفاجي العلاج ويلخصه بنشر ثقافة الوعي باستمرار من خلال النخب الاجتماعية كالشيوخ والطبقة المثقفة والطلبة وبمساندة الاعلام وخطب الجمعة والفرق الجوالة والمنظمات، ويكشف ان هذه الظاهرة منتشرة في المجتمعات غير المتجانسة، التي تتكون من الريف والحضر والمتعلم والأمي والعادات المختلفة.