فراس كاظم يكتب| الكلبتوقراطية المقدّسة

يناير 25, 2026 - 21:39
 0  4
فراس كاظم يكتب| الكلبتوقراطية المقدّسة

لاماسو/ مقال رأي

لم تعد أزمة الحكم في كثير من الدول مسألة سوء إدارة أو أخطاء مرحلية، بل تحوّلت إلى نمط متكامل يُعرف في الفكر السياسي باسم الكلبتوقراطية، أي نظام حكم تُدار فيه الدولة بوصفها غنيمة، وتُستغل فيه السلطة والثروة والقانون لخدمة فئة محدودة على حساب المصلحة العامة.

في هذا النموذج، لا يكون الفساد حالة استثنائية، بل ممارسة منظّمة. تتراجع التنمية الحقيقية، وتنتشر المشاريع الوهمية، ويتسع الفارق بين الفقر العام والثراء الفاحش للنخبة الحاكمة. وتُستخدم القوانين والمؤسسات لا لضمان العدالة، بل لتكريس الامتيازات وحماية شبكات النفوذ.

تُجرى الانتخابات بانتظام، لكن دورها يقتصر غالبًا على إضفاء شرعية شكلية على واقع سياسي مغلق. فالصندوق لا يفتح باب التغيير، بل يُعيد إنتاج الطبقة ذاتها، في ظل خيارات محدودة لا تعبّر عن الإرادة الحرة للمواطنين. وهكذا تتحوّل الديمقراطية من آلية للمساءلة إلى أداة لإدامة الأمر الواقع.

وحين لا يكفي الغطاء القانوني، تُستدعى الرمزية الأخلاقية أو الدينية لتوفير حصانة إضافية. يُقدَّم الفساد بصفته ضرورة، ويُصوَّر النقد كتهديد، وتُستبدل المحاسبة بالتعبئة العاطفية، بما يفرغ المجال العام من أي نقاش عقلاني جاد.

المحاصصة في هذا السياق ليست خللًا إداريًا، بل منطق حكم: مواقع تُوزَّع مقابل ولاءات، وصمت يُكافأ، وفشل لا يترتّب عليه حساب. في ظل هذا الواقع، تُعاقَب الكفاءة، وتُهمَّش النزاهة، ويُعاد تدوير الفشل بوصفه “خبرة”.

هذا الخطاب لا يعادي الدولة، ولا يرفض مبدأ الانتخاب، بل يدافع عن جوهرهما. فالديمقراطية التي لا تُحاسِب الفاسدين تفقد معناها، والدولة التي تُدار كغنيمة تفقد مشروعيتها الأخلاقية.

إن ما نحتاجه ليس مزيدًا من الشعارات، بل نظامًا سياسيًا يُعيد الاعتبار للمساءلة، ويجعل السلطة خدمة عامة لا امتيازًا خاصًا. فهذه ليست أزمة أشخاص، بل أزمة بنية، ولا يمكن تجاوزها إلا بإرادة عامة واعية ترفض تحويل الشرعية إلى غطاء دائم للفساد.