سعد سلوم.. صوت المهمشين في العراق والمنطقة يفوز بـ«جائزة أديان للتضامن» في لبنان
منحت مؤسسة «أديان» اللبنانية جائزة التضامن لعام 2025 للأكاديمي والباحث العراقي الدكتور سعد سلوم، تقديرًا لدوره الريادي في الدفاع عن الأقليات الدينية والمجتمعات المهمشة في الشرق الأوسط، وفي ترسيخ قيم الاعتراف والمواطنة المتساوية ضمن مجتمعاتٍ أنهكتها الصراعات الطائفية والحروب.
هذه الجائزة السنوية التي تقدمها مؤسسة أديان اللبنانية، تم تغيير اسمها من "جائزة التضامن الروحي". تهدف إلى تكريم الأفراد الذين يعملون على تعزيز التضامن والوحدة بين أتباع الديانات المختلفة، خاصة في ظل التوترات والصراعات. قالت نايلا طباره رئيسة مؤسسة اديان "غيرنا اسم الجائزة هذه السنة من جائزة التضامن الروحي إلى جائزة أديان للتضامن" واضافت "يعد ذلك خطوة جديدة لتكريم كل من جعل التضامن فعلًا وإنسانية، متجاوزًا كل الحواجز".
نضال من أجل الاعتراف
لاماسو ـ سامان داود
كرّس سلوم أكثر من عقدين من حياته الفكرية والميدانية لتسليط الضوء على الفئات المنسية أو غير المعترف بها رسميًا من الأقليات الدينية والإثنية في العراق والمنطقة. ومن خلال مبادراته ومؤلفاته، جعل من قضاياهم جزءًا من النقاش الوطني حول الهوية والمواطنة، مؤكدًا أن الاعتراف بالتنوع هو الخطوة الأولى نحو بناء سلام دائم.
قاد سلوم سلسلة من المشاريع الريادية أبرزها المجلس العراقي لحوار الأديان (2013)، ومركز رصد ومواجهة خطابات الكراهية (2018)، ومعهد دراسات التنوع الديني (2019)، التي ساهمت في خلق منصات حوار بين ممثلي الأديان المختلفة وإدماج أصوات الأقليات في الحياة العامة.
من الميدان إلى الفضاء الرقمي
إلى جانب نشاطه الأكاديمي والميداني، أطلق سلوم برنامج بودكاست بعنوان "حكايات لم تُروَ من قبل"، يعرض فيه قصصًا واقعية عن التنوع الديني والثقافي في العراق والمنطقة. استخدم البرنامج كمنصة لإيصال أفكاره إلى جمهور أوسع من الشباب والإعلاميين والمهتمين بحقوق الإنسان، محولًا السرد الشفهي إلى أداة للتوعية والتضامن.
يمثل هذا البرنامج امتدادًا طبيعيًا لمشروعه الفكري الرامي إلى منح صوتٍ للذين لم تُسمع قصصهم بعد، وتأكيد أن الاعتراف يبدأ بالحكاية.
فكر يحارب التهميش بالمعرفة
لا يكتفي سلوم بالتنظير الأكاديمي، بل يعمل من الميدان، متنقلًا بين مناطق النزاع وساحات الذاكرة الجماعية التي شهدت مأساة الإيزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين وغيرهم.
وقد شكّلت مؤلفاته التي بلغت قرابة 22 مؤلفا مرجعًا أساسيًا في فهم تحولات الهوية في الشرق الأوسط، من بينها:
«الإبادة الجماعية في الشرق الأوسط: من نكبة فلسطين إلى تدمير العراق» (2024)، و«الإرث المر: عشر سنوات على الإبادة الجماعية للإيزيديين» (2025)، و«ديناميات الهوية: نهاية وانبعاث التنوع في الشرق الأوسط» (2023) والأقليات في العراق : الذاكرة، الهوية، التحديات (2013).
ترجمت أعماله إلى عدة لغات منها الإنكليزية والفرنسية والايطالية، ما جعلها جسرًا بين قضايا الأقليات في المنطقة والنقاشات العالمية حول العدالة الانتقالية وحرية المعتقد.
اعتراف دولي بصوت محلي
نال سلوم اعترافًا عالميًا بجهوده، حيث فاز بعدة جوائز دولية من بينها جائزة ستيفانوس الدولية (أوسلو 2018) عن دفاعه عن حرية الدين، وجائزة ابن رشد للفكر الحر (برلين 2022) التي سبق ان فاز بها مفكرون مثل محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، وجائزة مؤسسة ZÊD الألمانية (فرانكفورت 2023). كما كُرّم محليًا بجائزتين خلال العام 2019 هما : جائزة البطريركية الكلدانية عن كتابه الموسوعي (المسيحيون في العراق : التاريخ الشامل والتحديات الراهنة) وجائزة كامل شياع لثقافة التنوير عن مجمل أعماله الفكرية ونشر ثقافة التنوير بقضايا التنوع والحريات الدينية.
تكريم يتجاوز الحدود
وفي حين كرّمت مؤسسة أديان اللبنانية في دوراتها السابقة شخصيات بارزة من العالمين الإسلامي والمسيحي، منها القس جيمس ووي والإمام محمد أشافة في نيجيريا، اللذان قدما نموذجًا عالميًا للمصالحة، والبابا فرنسيس عام 2016 لدعمه قيم التضامن والتنوع الإنساني، والمطران جورج خضر عام 2022 لدفاعه عن الأخوة العابرة للأديان.
يأتي تكريم سلوم في بيروت ضمن «جائزة أديان للتضامن» ليؤكد أن التضامن ليس شعارًا أخلاقيًا، بل ممارسة فكرية وإنسانية تهدف إلى إعادة بناء الجسور في مجتمعات محطمة.
ففي وقت تتسع فيه فجوات الانقسام في العراق وسوريا ولبنان، يمثل صوت سعد سلوم دعوة مفتوحة للاعتراف المتبادل، وإيمانًا بأن حماية التنوع ليست ترفًا ثقافيًا بل شرط بقاءٍ للمنطقة كلها
صوت من أجل العدالة
وخلال حفل تسلّم الجائزة في العاصمة اللبنانية بيروت بتاريخ 25 أكتوبر، ألقى سعد سلوم كلمة أكد فيها أن اختياره توجيه جهوده نحو المجتمعات المهمشة في العراق والشرق الأوسط ينبع من إيمانه العميق بأن "التضامن معها ليس عملًا خيريًا عابرًا، بل واجب أخلاقي وشرط أساسي لتحقيق العدالة والاستقرار في منطقتنا".
وأضاف سلوم أن "التضامن مع هذه المجتمعات ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو اعتراف بواقع غير عادل يجب تغييره"، مشيرًا إلى ضرورة الإقرار بوجود فجوات حقيقية في الحقوق والفرص والحماية، ورفض استخدام الهويات الدينية أو العرقية أو الجغرافية مبررًا للإقصاء أو التهميش.
وأوضح أن "التضامن لا يعني التحدث نيابة عن المهمشين، بل خلق المساحات التي تُسمع فيها أصواتهم، ووضع الخبرات والموارد في خدمة تمكينهم من التعبير عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم ورسم مصيرهم".
وختم سلوم كلمته بالقول إن "التضامن مع المجتمعات المهمشة هو في جوهره تضامن مع أنفسنا، لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأمننا الجماعي يبدأ حين يشعر كل فرد بأنه مشمول بالانتماء، ومحاط بالعدالة، ومصون بالحقوق".