حسين علي يكتب | الدولة والدولة العميقة، قراءة تحليلية في بنية السلطة الخفية
لاماسو | مقال رأي
عند تناول مفهوم الدولة في العلوم السياسية، يُفهم عادةً على أنه كيان قانوني ومؤسسي قائم على عناصر محددة: الشعب، الأرض، والسلطة السياسية. وتتمثل الدولة في مؤسساتها الرسمية مثل البرلمان، الحكومة، القضاء، الجيش، والأجهزة الإدارية، وهي مؤسسات يفترض أن تعمل وفق الدستور والقانون، وتستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي والقبول الشعبي. بهذا المعنى، تمثل الدولة مجال العلن، حيث تُدار الشؤون العامة بشكل معلن وتخضع نظرياً للرقابة والمساءلة.
لكن إلى جانب هذا الكيان الظاهر، يبرز مفهوم الدولة العميقة، الذي يشير إلى شبكة غير مرئية من المصالح والقوى الفاعلة داخل مؤسسات الدولة، تعمل في الخفاء وتؤثر على القرارات والسياسات بما يتجاوز حدود الشرعية الدستورية. الدولة العميقة لا تُعلن عن نفسها ولا تحتاج إلى اعتراف رسمي، لكنها تتغلغل في البيروقراطية والأجهزة الأمنية والاقتصادية والإعلامية والصناعات العسكرية، بحيث تعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي بما يضمن استمرار نفوذها.
■ متى نشأ مصطلح "الدولة العميقة"؟؟
- تسعينيات القرن الماضي في تركيا،بعد ما عُرف بفضيحة سوسورلوك عام 1996، للتعبير عن شبكات من المجموعات وضباط القوات المسلحة الذين أخذوا على عاتقهم حماية علمانية الدولة التركية بعد قيامها على يد مصطفى كمال أتاتورك، ومحاربة أي حركة، أو فكر، أو حزب، أو حكومة، تهدد مبادئ الدولة التركية العلمانية، وكان ذلك أول تعريف وظهور لمفهوم "الدولة العميقة".
برز بعد ذلك تلك المفهوم بتعريفات مشابهة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، مع إنشاء الوكالة المركزية للاستخبارات الأمريكية، وبدا أن الدولة العميقة تتمثل في شبكات السلطة السياسية في واشنطن، والسلطة الاقتصادية، والمالية، في وول ستريت، والتي تعمل على حماية مجموعة من شبكات المصالح المختلفة.
■ ما هي جذور الدولة العميقة؟؟
إن جذور "الدولة العميقة" يجد البعض لها نماذج في الواقع العملي منذ القرن الثامن عشر، فيما يعتقد أن المصطلح هو ترجمة حرفية لعبارة " ديرين دولت" التركية. الكلمتان ارتبطا بمنظومة شبكة سرية من الضباط وموظفي الخدمة المدنية كان شكلها مصطفى كامل أتاتورك لحماية النظام الجمهوري العلماني في بلاده.
رغم التشابه في المعنى، إلا أن مفهوم "الدولة العميقة" يختلف عن النموذج التركي في أنه أكثر اتساعا وتنوعا في أهدافه وأشد غموضا حتى أن البعض يضيف "الدولة العميقة" إلى خانة "نظرية المؤامرة"، ولا يعتقد أنها موجود بالفعل.
ذكر عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز رايت ميلز، في كتابه "النخبة القوية"، الذي نُشر عام 1956، إذ استعرض من خلاله ما رأى أنها عناصر القوة الرئيسة في الولايات المتحدة، مشيرا إلى أنها تركزت منذ منتصف القرن العشرين في ثلاثة قطاعات، هي الصناعات العسكرية وشارع المال "وول ستريت" والبنتاغون.
أما الكاتب الأمريكي مايك لوفغرين فقد عرّف "الدولة العميقة" بالنسبة للولايات المتحدة في عام 2014 على أنها "اندماج هجين بين مسؤولين حكوميين وممثلين رفيعي المستوى للممولين والصناعيين الذين يديرون الولايات المتحدة بشكل فعال من دون سؤال الناخبين عنها".
لو نلاحظ، أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أشعل مصطلح "الدولة العميقة" في صراعه مع خصومه الديمقراطيين. ترامب وضع تصورا مخالفا لنموذج الدولة العميقة في الولايات المتحدة والتي يرى الكثيرون أنها مشروع لحكومة عالمية في الظل تسعى للسيطرة على الأرض.
■ ما هي آليات عمل الدولة العميقة؟؟
- من اساسيات أدوات عمل الدولة العميقة للحفاظ على شبكات المصالح بداخلها، هو استخدام «العنف» في إطار حالات استثنائية خارج إطار القانون، وهو ما يعرف بحالة الاستثناء، والتي يتخذ فيها العديد من الاجراءات الأمنية، بدعوى الحفاظ على الأمن القومي من الخطر الخارجي.
وأن هناك دائما عدو مترصد لابد من التأهب دائما لصدهِ عن ما يشكله للدولة من تهديد، وفي إطار ذلك تقوم الدولة بقمع المعارضين، وكل من هم لا يشعرون بالرضا عن أداء الدولة بشكل عام، والسياسي بشكل خاص، ويكون الهدف هو إضفاء طابع قانوني على حالة الاستثناء.
- السيطرة على الوعي، فهي تتحكم في الخطاب الإعلامي، حيث تُحوّل الأكاذيب إلى حقائق والحقيقة إلى مؤامرة، وتضخم من شأن التفاهة على حساب الرأي النقدي والعقلاني.
- إعادة صياغة تصورات الناس تجاه القادة والأحداث، فتُصنع البطولات الوهمية وتُخفى القيادات الحقيقية خلف ستار الاتهام والتشويه.
- تمتد هيمنة الدولة العميقة إلى المنظومة التعليمية، فتحولها من فضاء للإبداع والتفكير إلى أداة لإنتاج الطاعة والانقياد، وتُصاغ المناهج بما يكرّس الامتثال بدل النقد، ويُعاد إنتاج أجيال تخاف من السؤال وتُسلّم بالواقع كقدر محتوم.
- الهيمنة على المجال الديني، حيث تُستخدم الخطابات الدينية لتثبيت الشرعية القائمة، فيُعاد إنتاج خطاب الطاعة والخضوع، ويُشيطن كل خطاب تحرري أو مقاوم.
وتأتي هذه الهيمنة حتى تضيف طابع "شرعي - ديني" على ممارسات الدولة الأمر الذي يجعل المواطنين يلتزمون الصمت.
- إلى جانب السيطرة على الوعي والمعرفة، توظف الدولة العميقة إدارة الأزمات كوسيلة لإحكام قبضتها، فهي تُفجّر الأزمات الاقتصادية لقتل الأمل وإشغال الناس بالبحث عن البقاء، وتزرع الانقسامات الطائفية والإثنية لتفتيت وحدة المجتمع وتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع هوياتي. وبهذه الطريقة، يصبح الدم رخيصًا باسم الطائفة، ويُختزل الدين إلى أداة للصراع لا إلى وسيلة للتسامح والعدل.
النتيجة النهائية لهذا المسار هي إنتاج إنسان مسلوب الإرادة يخشى التفكير، يتردد في الاعتراض، ويُطبع على الخضوع للسلطة حتى لو كانت ظالمة، وهنا تكمن خطورة الدولة العميقة، فهي لا تعتمد على العنف المباشر بقدر ما تعتمد على ترسيخ الوهم، بحيث يرى الفرد في القيد حماية، وفي السجن بيتًا، وفي الجلاد حاميًا. ومن ثم، فإن من يكشف حقيقة هذه البنية يصبح هو العدو في نظر المجتمع نفسه.
إن الفرق الجوهري بين الدولة والدولة العميقة يكمن في أن الأولى تستند إلى شرعية معلنة وقوانين رسمية، بينما الثانية تستند إلى شبكات نفوذ غير رسمية تتحكم في موارد القوة وتعيد إنتاجها لصالح قلة محدودة.
الدولة تمثل المجال العلني للسياسة، أما الدولة العميقة فتمثل بنيتها المظلمة التي تعمل من وراء الستار، وعلى هذا الأساس، لا يمكن فهم التحولات السياسية في كثير من المجتمعات ما لم يُنظر إلى التفاعل بين هذين البعدين : الدولة باعتبارها البنية الرسمية، والدولة العميقة باعتبارها القوة الكامنة التي تحدد حدود الفعل السياسي وتعيد صياغة مساره.