شهاب الصفار يكتب| عوائل الدواعش الرعاع وسيناريو التوطين داخل الموصل

يونيو 4, 2026 - 18:13
 0  21
شهاب الصفار يكتب| عوائل الدواعش الرعاع وسيناريو التوطين داخل الموصل

حزيران الاسود:

لم تسيطر الجماعات الاسلامية الجهاديـ.ـة على مدينة الموصل عام 2014 بل انها استخدمت العاشر من حزيران الاسود من السنة ذاتها إعلاناً رسمياً لحكمها محافظة نينوى عسكريا وادارياً, كونها كانت تتمتع بصلاحياتها الكاملة ابان فترة الحكم السري للمدينة ولأكثر من 9 سنوات متعاقبة تنقلت بين مُسميات وتشكيلات مختلفة والهدف كان حكم الموصل إسلاميا بحد السيف وقوانين القلم كونها كانت تمتلك هيكلاً ادارياً متكاملاً بدءاً من اصغر مناصر لها وصولاً الى المحاكم الشرعية شبه العلنية الموزعة بين جانبي المدينة.

علاقة المواطن برجل الامن:

المواطن الموصلي في حينها عاش مرعوباً, لأنه مطالب بالامتثال الى قرارات الحكومة المركزية والقوات الامنية بقتال ومقاومة التنظيمات الاسلامية المتطرفة او تقديم معلومات عن نشاطاتهم داخل المدينة, واوامر التنظيمات الاسلامية الاصولية بوجوب مساعدتهم لقتال او التعدي على القوات الامنية انذاك, لكن الكثيرين في حينها اختاروا مساعدة القوات الامنية في جهودها لمقارعة التنظيمات الارهابية في المدينة, ليُصدم الاغلبية بحقيقة ان القيادي في التنظيمات الاسلامية الراديكالية المتطرفة يتم الافراج عنه بعد اعتقاله ليعود منتقما من الافراد الذين ساهموا بعملية الاعتقال او تقديم اي معلومات عنه الى القوات الامنية, وتدور عجلة الارهاب من جديد مما سبب شرخاً واسعاً بين المواطن ورجل الأمن للأسف.

مما سبق نتبيّن ان العصابـ.ـات الارهابية كانت تبسط سيطرتها على الموصل انذاك مستخدمة شتى الاساليب لتثبيت دعائم حكمها وتقوية نفوذها على الاهالي داخل المدينة, ومن بين تلك الدعائم والاساليب ما يعرف او ما يسمى انذاك بــ "عوائل المجاهـ.ـدين".

دور عوائل التنظيم داخل الموصل:

مارست عوائل وزوجات مقاتلي التنظيمات الاسلامية الاصولية المتطرفة سلطتها ونفوذها على باقي عوائل المواطنين داخل الموصل, فهي تعتبر الرابط المطاطي بين المقاتلين المتطرفين وبين الاهالي في المدينة وتعمل على نقل وتحديث المعلومات والبيانات وتزويد ابنائها الارهـ.ـابيين بتحديثات الاوضاع وما يجري داخل جدران وازقة واحياء المدينة كأسلوب من اساليب الجهد الاستخباري الذي كانت تمتلكه التنظيمات الارهابية انذاك.

مصائد المغفلين:

فضلاً عن الدور الخطير الذي لعبته تلك النساء والعوائل عن طريق اقامة علاقات مشبوهـ.ـة مع البعض من الاهداف المراد اصطيادها داخل الموصل والتي كانت تسمى حينها بالطرائد ليتم اصطيادها بعد التمكن منها, وخسرنا للاسف بسبب هذا الاسلوب المئات من الشباب داخل المدينة.

نساء الدواوين:

كما ان ما يعرف بالمحاكم الشرعية التي انتشرت للفترة من 2004 ولغاية 2014 داخل المدينة اي قبل الاعلان الرسمي لسيطرة التنظيم عسكرياً وادارياً على الموصل, كانت تحوي بين تشكيلاتها قسماً تابعاً للنساء ضمن ما يعرف بديوان المظالم تقوده البعض من زوجات المقاتلين بعد تخرجهن من الدورات الشرعية والقضائية, لتسند اليهن مهمة اصدار بعض الاحكام وتطبيق القصاص على نساء المدينة.

كما ولا يخفى على القارئ كيف ان نساء التنظيم استفدن من حرية حركتهُن داخل المدينة لتنفيذ البعض من العمليات الارهابية كزراعة العـ.ـبوات او نقل وتوزيع الاحزمـ.ـة الناسفـ.ـة او توزيع الرواتب "الكفالات" بين مقاتلي التنظيم وعوائلهم فضلاً عن اختيار البعض منهن لتنفيذ عمليات مباشرة ضد المواطنين والقوات الامنية.

نساء الحسبة:

بعد ان اعلن التنظيم رسمياً سيطرته على الموصل, برز الدور الاهم لعوائل المقاتلين الاسلاميين بتقمصهم دور الناصح بالترغيب للعوائل الموصلية البسيطة بغية دفعها للالتزام بالشريعة والاحكام التي تصدرها دواوين التنظيم, ودور المنتقم بالترهيب وانزال القصاص على المخالفات لتلك الشرائع من النسوة داخل المدينة, لأن التنظيم اعتمد بصورة مباشرة على زوجات المقاتلين "المحليات او المهاجرات" كأساس لإدارة بعض الشعب داخل ديوان الحسبة او الدعوة والمساجد او المظالم قبل تشكيل ما يعرف بكتيبة الخنساء احدى تشكيلات ديوان الجند التي تتكون من حوالي 1000 امرأة مدربة على القتال وتكتيكات حرب العصابات, لتختفي تلك الكتيبة بعد تحرير المدينة دون معلومات جديدة عنها او عن وجهتها.

الهجرة والتهجير:

الجزء الاكبر من هذه العوائل اختارت ترك الموصل والتوجه الى سوريا بالتزامن مع اقتراب عمليات التحرير خوفاً من العمليات الانتقامية التي قد تبدر من اهالي المدينة بعد ان اذاقوهم شتى انواع العذاب لتستقر في بعض المدن والقصبات السورية التي كانت تحت سيطرة التنظيم انذاك, والجزء الاخر منهم اختار البقاء داخل الموصل بصحبة ابنائهم المقاتلين مع تغيير عناوينهم وانتشارهم المدروس بدقة بين جانبي المدينة لتضليل الاهالي او رجال الامن.

مخيّم الهول السوري

اُنشئ مخيّم الهول من قبل المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع الحكومة السوريّة إبّان حرب الخليج الثانيّة عام 1991, بغية استقبال آلاف اللاجئين العراقيين الفارّين من الحرب، يبعد 40 كم شرقي مركز محافظة الحسكة والذي اغلق اكثر من مرة الى أن تمّ افتتاحه مجدّداً عام 2016 لاستقبال عوائل واهالي مقاتلي تنظيم داعش الارهابـ.ـي الفارين من العراق وبعض المدن السورية, وفي أواخر عام 2017 بلغ عدد قاطني المخيّم 20 ألفاً، ومع هزيمة التنظيم بدأ المخيم باستيعاب الوافدين الجدد وعوائل مقاتلي داعش ليبلغ العدد الإجمالي قرابة 74 ألفاً في بدايات عام 2019. 

و بحسب اخر احصائية فلا يزال يقطن المخيم 61 ألف شخص، بينهم 16,784 أسرة, وتنقسم هذه الأسر إلى 8277 أسرة عراقية، و5906 أسرة سورية، و2565 أسرة لمقاتلين أجانب, في حين تشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود ما لا يقل عن 40 الف طفل في المخيم من جنسيات مختلفة, كما يأوي المخيم مواطنين من 57 دولة غالبيتهم الساحقة من عائلات داعش.

مخيم الجدعة:

الحكومة العراقية وبالتعاون مع الجهات القائمة على مخيم الهول "الادارية الذاتية", نقلت ما يزيد على 1000 عائلة من عوائل تنظيم داعش موزعين على 20 دفعة منذ مطلع عام 2021, الى مخيم الجدعة الذي يبعد حوالي 20كم عن مدينة الموصل مركز محافظة نينوى, والمخيم يحوي بداخله مركز للتأهيل النفسي والمجتمعي تحت إشراف وزارة الهجرة والمهجرين العراقية وبجهد دولي مثل منظمة الهجرة الدولية ومنظمة اليونسيف ويتولى اعادة تأهيل عوائل العناصر الارهابية لدمجمهم داخل المدن التي ينحدرون منها من جديد, والتي رفضت فيما بعد استقبالهم باستثناء الموصل.

خطوات اعادة توطين عوائل مقاتلي تنظيم داعش داخل الموصل من جديد, حظيّت بالترحيب من قبل الاهالي داخل المدينة عملا بمبدأ "عفا الله عما سلف" كما شاركت شريحة واسعة من ناشطي المدينة بعمليات وورش اعادة دمج هذه العوائل داخل المجتمع مستفيدين من المنح المالية التي تقدمها بعض الدول الاوربية لبناء نموذج تتقارب به عوائل مقاتلي التنظيم مع ابناء المدينة متناسين بذلك ما صنعته تلك العوائل والشرخ الذي سيتولد نتيجة تسكينهم بالقرب من عوائل الضحايا في المدينة.