بين التحديات المالية وشبهات الفساد: قراءة تحليلية في تصريحات النائب قصي عباس ورؤية لجنة النزاهة النيابية
لاماسو | شهاب الصفار
تُعدّ المحاسبة والرقابة المالية والإدارية من الأركان الأساسية في ترسيخ دعائم الدولة وحماية مقدراتها. وفي ظل أزمات متلاحقة تشهدها القطاعات الخدمية والاقتصادية في العراق، تتجه الأنظار نحو الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب للحد من الهدر والفساد. تأتي تصريحات النائب عن محافظة نينوى وعضو لجنة النزاهة النيابية، قصي عباس، لتسلط الضوء على ملفات حيوية تشغل الشارع العراقي، بدءاً من السياسات المالية وإدارة العجز، وصولاً إلى خبايا التطبيقات الإلكترونية والمشاريع الخدمية المتلكئة.
1. الموقف من السياسة المالية وإدارة العجز: حماية ذوي الدخل المحدود
تسلط تصريحات النائب الضوء على المعادلة الحاكمة بين معالجة العجز المالي لحكومة الدولة وبين عدم تحميل المواطن تبعات السياسات الاقتصادية والمالية.
المرتكز الرئيس: تؤكد الرؤية البرلمانية الممثلة في تصريحاته أن الاعتراض ليس موجهًا ضد السياسات المالية والنقدية ذاتها، بل ضد أي خطوات تتسبب بضرر مباشر للمواطنين، لا سيما أصحاب الدخل المحدود.
الموقف من الموازنة: يضع هذا الموقف اشتراطاً واضحاً لتمرير الموازنات العامة؛ فالمعالجات المالية لتقليص العجز يجب أن تسلك طرقاً مستدامة لا تقع أعباؤها على الشرائح الفقيرة. ويُشير النائب إلى أن أي إضرار بهذه الفئات سيواجه بمواقف واضحة واعتراضات نيابية قد تصل إلى رفض تمرير الموازنات غير المنصفة.
2. خبايا الفساد الإداري والمالي: ثغرة التطبيقات والشركات الخاصة
أحد أبرز المحاور التحليلية التي أثارها النائب هو خصخصة الخدمات الرقمية والإدارية وتحويلها إلى شركات خاصة، وهو ما يفتح أبواباً للفساد والهدر المالي تحت ستار الميكنة والتحول الرقمي:
تطبيق "قنينتي" ورسوم وكلاء الغاز: يظهر هذا الملف نموذجاً جلياً للجبايات غير المسوّغة قانونياً؛ حيث جرى فرض رسوم شهرية (10,000 دينار) على آلاف وكلاء الغاز لصالح شركات خاصة دون تفعيل حقيقي للخدمة المقدمة للمواطن، مما شكل عبئاً بلا سند قانوني واستدعى إيقافه بعد المتابعة والمساءلة النيابية.
السيطرة والتقييس النوعي وفحص الإشعاع: يُبرز التحليل خطورة إسناد ملفات تمس الأمن الغذائي والدوائي لشركات خاصة تتقاضى مبالغ ضخمة عن كل عجلة شحن (تصل إلى 200,000 دينار للتقييس و65,000 دينار للفحص الإشعاعي)، حيث تعود غالبية هذه الإيرادات للشركات الاستثمارية بينما لا تنال الدولة سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 20%.
أنظمة تتبع الصهاريج (GPS): يكشف هذا الملف عن جباية مبالغ طائلة سنوياً من أصحاب الصهاريج لصالح شركات خاصة، بالرغم من استمرار الثغرات والإخفاقات الفنية التي تُستغل في عمليات التهريب والتلاعب بأسعار المشتقات النفطية.
3. تضخم أرقام المشاريع وتلكؤ الخدمات: التحدي الإنمائي في نينوى
تُمثل إدارة المشاريع الخدمية في المحافظات، وتحديداً في نينوى، محوراً رئيساً في قراءة كفاءة الإنفاق العام:
مشروع مجاري الحمدانية كمثال بارز: تُظهر قراءة تطور كلفة هذا المشروع من 33 مليار دينار عند انطلاقه لتصل إلى ما يقارب 180 مليار دينار عبر "أوامر الغيار" والكشوفات الإضافية، حجم الخلل في معايير التخمين والرقابة على العقود الحكومية، مما يجعله نموذجاً للمشاريع الخاضعة للتحقيق الدقيق.
غياب التمويل والموازنات المتأخرة: تؤثر الأزمات المالية وتأخر إقرار الموازنات التشغيلية والاستثمارية بشكل مباشر على سير المشاريع الحيوية (كالماء، الطرق، المدارس، والمستشفيات في مناطق مثل الحمدانية، برطلة، بعشيقة، وناحية بازواية). وتعتمد المحافظة في كثير من الأحيان على التمويل الآجل للمقاولين لحين إقرار الموازنات وتوزيعها بحسب الكثافة السكانية ومستويات المحرومية.
4. الأراضي والتغيير الديموغرافي ومشروع "المطور العقاري"
تناول اللقاء الملفات الاجتماعية والعقارية ذات الحساسية في سهل نينوى:
قضية الأراضي وأحكام القضاء: شدد النائب على احترام الأطر القانونية والقضائية؛ حيث أكد أن المسار الصحيح للنظر في النزاعات العقارية وقرارات التمليك (كما في القرى والبلدات المتنازع عليها) هو المحكمة الإدارية وليس المحكمة الاتحادية التي ردت الدعاوى لعدم الاختصاص. كما أوضح أن القوات الأمنية والأجهزة التنفيذية تعمل كأدوات لتطبيق القانون والدستور وليست جهات صانعة للقرارات.
مبادرة المطور العقاري: تطرق النائب إلى السعي لشمول شريحة واسعة في سهل نينوى (عوائل الشهداء، الأجهزة الأمنية، الموظفين، المتقاعدين، وذوي الدخل المحدود) بقطع أراضٍ مخدومة مجاناً عبر نظام "المطور العقاري"، والذي يتكفل بتوفير البنية التحتية الكاملة لقاء استثمار جزء من المساحة.
خاتمة وتوصيات تحليليّة
تُظهر تصريحات النائب قصي عباس أن المواجهة مع الفساد في العراق تتطلب انتقالة من المعالجات الجزئية إلى الإصلاح الهيكلي شامل الأبعاد. ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى:
تفعيل قانون "من أين لك هذا؟": عبر المراجعة والمقارنة الدورية لكشوفات المصالح المالية لجميع المسؤولين والقيادات الإدارية للحد من تضخم الأموال غير المشروع.
إعادة إخضاع المنصات والتطبيقات الرقمية لإدارة الدولة: وإنهاء هيمنة الشركات الخاصة التابعة لمكاتب أحزاب على إيرادات الخدمات العامة والسيطرة النوعية.
ضبط العقود وأوامر الغيار: وضع ضوابط صارمة تمنع تضاعف كلف المشاريع الحكومية دون مبررات هندسية وفنية قائمة على التخمين الدقيق.
استقلالية القضاء والرقابة: إبعاد هيئة النزاهة والأجهزة الرقابية عن أي ضغوط أو تدخلات سياسية لضمان الاستمرار في ملاحقة الفاسدين دون استثناء.