شهاب الصفار يكتب| عندما تصبح الثقة سلاحاً دفاعياً: قراءة في تحذيرات أثيل النجيفي الأخيرة

اكتوبر 9, 2026 - 13:23
 0  41
شهاب الصفار يكتب| عندما تصبح الثقة سلاحاً دفاعياً: قراءة في تحذيرات أثيل النجيفي الأخيرة

لاماسو / مقالات رأي

لم تكن تصريحات محافظ نينوى الأسبق، أثيل النجيفي، مجرد تعليق عابر على أحداث أمنية طارئة، بل قرعٌ لدقائق الخطر التي استحضرها العراقيون مراراً. حين يتحدث الشخص الذي جرت تحت إدارته أحداث صيف عام 2014 وسقوط الموصل، فإن كلماته تحمل ثقلاً استثنائياً؛ لا بسبب قراءته للأحداث فحسب، بل لأنها صادرة عن تجربة مريرة أثبتت أن "الانهيار الأمني لا يبدأ بسقوط المعسكرات، بل بتآكل الجسور بين الشارع والسلطة".

تأتي تحذيرات النجيفي بالتزامن مع المواجهات المسلحة الأخيرة في كركوك، والترقب الحذر لتداعيات الانسحاب الأمريكي المرتقب، لتضع يدها على الجرح العراقي الغائر. ففي الوقت الذي ينصبّ فيه الاهتمام السياسي والأمني على تحركات خلايا تنظيم "داعش" وتكتيكاتها العسكرية، يرى النجيفي أن الخطر الأكبر لا يكمن في البندقية أو العبوة الناسفة بحد ذاتها، بل في العودة إلى العقلية الأمنية القديمة التي تعامل مجتمعات بأكملها بأسلوب "المتهم حتى تثبت براءته".

​إن قدرة الخلايا المسلحة على المواجهة واستعادة خطوط الإمداد والملاذات الآمنة ليست مجرد خرق تكتيكي، بل هي مؤشر حيوي على وجود بيئات هشّة أو مساحات رخوة يتغذى عليها الإرهاب. وهنا تبرز الرؤية التحليلية الأهم في تصريحات النجيفي: الأطراف الإقليمية والدولية لا تخلق الثغرات العراقية من العدم، بل تستغل الثغرات القائمة بالفعل. والثغرة الأشد خطورة ونفاذاً اليوم ليست الحدود الجغرافية المفتوحة، بل الفجوة النفسية والسياسية بين المواطن ومؤسسات الدولة.

​تاريخ الأحداث في العراق يتسع لدرس حاسم: كلما ازداد التضييق والشك في الشارع، قلّت دافعية المواطن ليكون شريكاً في صناعة الأمن، مما يُخلّف فراغاً لا يملؤه إلا الإرهاب والفوضى. وعلى العكس، فإن الدولة التي تمتلك ثقة مجتمعها تصنع خط دفاع أول لا يمكن اختراقه بأعتى المخططات الإقليمية.

​تقف القيادات الأمنية والسلطات التنفيذية اليوم أمام خيارين أحلاهما يتطلب شجاعة سياسية: إما الاستمرار في نهج الريبة والتضييق الذي يخدم الفوضى مجاناً، أو الانتقال نحو مقاربة أمنية مجتمعية قائمة على كسب الشارع والمواطن وصيانة كرامته. فالأمن الحقيقي في العراق لن يتحقق بالقطعات والعربات المصفحة وحدها، بل بالشعور الصادق بالانتماء والمواطنة والتضامن بين الشعب ودولته.