شهاب الصفار يكتب| الجرح الأيزيدي: قراءة في تحولات الفكر المتطرف ومأساة سنجار 2014

أغسطس 3, 2026 - 12:18
 0  2
شهاب الصفار يكتب| الجرح الأيزيدي: قراءة في تحولات الفكر المتطرف ومأساة سنجار 2014

شهد صيف عام 2014 واحدة من أشد المآسي الإنسانية قسوة في التاريخ الحديث، عندما تعرض المكون الأيزيدي في العراق لهجمة شرسة غيّرت مجرى الأحداث في المنطقة، وأعادت إلى الأذهان ممارسات ظنّ الجميع أنها اندثرت منذ قرون.

•​تحولات الأدبيات واستعادة الممارسات البائدة.

​لم يكن ينظر عناصر الجماعات المتطرفة من العراقيين الذين عاصروا تلك التنظيمات منذ انطلاقها منتصف عام 2003 في نينوى، إلى ما سيطرأ على أدبياتهم العقائدية من تحديثات. فعلى مدى أحد عشر عاماً، اقتصر تعاملهم مع الاديان والمكونات المخالفة لهم على المواجهات المباشرة والتهجير

​ولكن مع سيطرة التنظيم على مدينة الموصل مطلع حزيران/يونيو 2014، عقدت ما تُسمى بـ "الهيئة المفوضة" اجتماعاً مطولاً ضم أعضاء من مجالس الشورى من محليين وأجانب. وخلص الاجتماع إلى توصية – بأغلبية الأصوات رغم اعتراض ثلاثة قيادات محلية – بإعادة تفعيل مفهوم "الأسر والاحتجاز القسري" بحق المكون الأيزيدي، في استعادة لممارسات تاريخية بائدة.

•​مأساة آب: لحظة الانكسار والحصار.

​أصدرت القيادة العسكرية للتنظيم أوامرها باجتياح المناطق الأيزيدية مطلع آب/أغسطس 2014. وقد تزامنت هذه المأساة مع ظروف ميدانية معقدة، تمثلت في:

°​الانسحاب المفاجئ للقوات المكلفة بحماية تلك المناطق، مما ترك الأهالي دون غطاء أمني.

°​انسحاب قوات البيشمركة من قضاء سنجار، ما مكن عناصر التنظيم من فرض سيطرتهم الكاملة على القضاء في 3 آب/أغسطس 2014.

​أسفرت الأيام الأولى للهجوم عن فاجعة إنسانية؛ حيث تسببت الحملة في سـ.ـقوط الآلاف وتـ.ـهجير العوائل، بينما فرّ الباقون إلى جبل سنجار حيث حوصروا لعدة أيام تحت ظروف قاسية عانوا فيها من الجوع والعطش والمرض، إلى أن تدخلت القوات العراقية والتحالف الدولي لفتح منافذ آمنة وإخلاء المحاصرين.

•​أرقام وتداعيات الكارثة الإنسانية

​تُشير الإحصاءات والتقارير الموثقة إلى حجم الضرر الذي لحق بهذا المكون الأصيل:

°​الضحايا: سـ.ـقوط نحو 5,000 شخص من أبناء المنطقة.

°​المفقودون والمخطوفون: اختطاف ما يقارب 3,000 شخص.

°​النزوح: تشريد آلاف العوائل باتجاه مناطق دهوك وأربيل وزاخو.

°​استغلال النساء: تعرض نحو 1,500 امرأة واقتادهن قسراً، وتداول المئات منهن في أسواق خاصة للتنظيم.

​كما عمد التنظيم إلى بث مقاطع مصورة تظهر احتجاز رجال أيزيديين وإرغامهم على تغيير عقيدتهم تحت تهديد السـ.ـلاح، والذين سرعان ما عادوا إلى جذورهم وديانتهم الأصلية فور تحريرهم.

•​التبرير الممنهج عبر المنصات الإعلامية.

​في بداية الأحداث، حاول مناصرو التنظيم إنكار تقارير الاحتجاز والاستغلال، واصفين إياها بالشائعات. إلا أن التنظيم عاد وأقر بها رسمياً عبر مجلته الناطقة بالإنجليزية "دابق" (في عددها الرابع)، حيث خصص عدة صفحات لتبرير تلك الأفعال بناءً على تأويلات وتفسيرات منحرفة.

​واستناداً إلى تلك الرؤية المتطرفة، اعتبر التنظيم أن الأيزيديين لا يخضعون لأحكام "أهل الكتاب"، وبناءً عليه:

​احتجاز النساء واعتبارهن "غنائم حرب".

​توزيعهن على العناصر المشاركة في المعارك.

​اقتطاع "الخُمس" لصالح إدارة التنظيم.

​فتح أسواق خاصة لـ "تداول واحتجاز" النساء، مع محاولة تبرير ذلك إعلامياً بأنه لم يتم تفريق الأمهات عن أطفالهن.

•​الصدمة والذهول في الشارع الموصلي.

​لم تكن المأساة بعيدة عن أهالي الموصل الخاضعين للسيطرة المسلحة آنذاك؛ ففي أحد أيام الجمعة وبعد صلاة المغرب، فوجئ السكان بعناصر التنظيم يوزعون منشورات مطبوعة على شكل "أسئلة وأجوبة" تشرعن الانتهاكات الجسيمة بحق النساء المحتجزات.

​ينقل أحد شهود العيان من أبناء المدينة تلك اللحظات قائلاً:

​"بدأ الناس يتجمعون في مجموعات صغيرة للحديث عن المنشور. كان الجميع في حالة ذهول وصدمة مطلقة، لكن لم يكن أحد يجرؤ على الاعتراض أو فعل شيء في ظل البطش الأمني للتنظيم."

​خاتمة

​تظل المأساة الأيزيدية عام 2014 شاهداً حياً على ما يمكن أن ينتجه الفكر المتطرف من جراح إنسانية عميقة. وعلى الرغم من تحرير المناطق وإعادة السيطرة عليها، فإن تداعيات هذه الجريمة – بين نزوح وفقدان وعدم استقرار كامل – تستوجب استمرار الجهود المحلية والدولية لإنصاف الضحايا وإعادة إعمار سنجار لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث.